جلال الدين الرومي

72

فيه ما فيه

فقال أي سعى أتاه عيسى - عليه السّلام - حين قال في المهد صبيا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [ سورة مريم الآية 30 ] وكان يحيى لا يزال في بطن أمه حين كان الله يصفه لزكريا . قال قد سعى واجتهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال : قال - تعالى - : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ سورة الزمر الآية 22 ] ؛ فالأول كان فضل الله حين أيقظه من الصلاة ، وهذا عطاء إلهي محض ، وإلا كان المقربون به قد حدث لهم شق الصدر . وبعد ذاك استعر هذا الفضل والجزاء استعار جذوة النار . فالأول كان العطاء لكن إن وضعت القطن وأذكيت نار تلك الجذوة وزدتها حدث هذا الفضل والجزاء من بعد . الإنسان خلق بأول وهلة صغيرا وضعيفا وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ سورة النساء الآية 28 ] ، لكن إن أذكيت النار الضعيفة صارت عالما وأحرقت الدنيا ، ومعظم النار من مستصغر الشرر ، عظم الرسول حتى قيل له : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ سورة القلم الآية 4 ] . قال : إنّ الله يحبك كثيرا فقال : لا مجيئي بقدر المحبة ولا قولي فإنني أقول ما يأتي إلىّ وإن أراد الله أن ينفع بكلامي القليل هذا وبقيمة في صدرك أراد فوقع منه منافع عظيمة ، وإن أراد ألا ينفع فما أفادت آلاف الكلمات وما وقعت في الصدور موقع القبول وصار مآلها النسيان كشأن جذوة نار وقعت على خرقة محترقة فإن أراد الله اشتعلت نارها وعظمت وإذا لم يرد ما اشتعلت الخرقة وما أثر فيها نار آلاف الجذوات وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ سورة الفتح الآية 4 ] . هذه الكلمات هي جند الحق يفتحون القلاع بأمر من الحق ويأخذ بها ولو أمر آلاف الفرسان بالتوجه إلى قلعة ما لكن لا يستولون عليها فإنهم يفعلون ما أمر وإن أمر فارس واحد بالاستيلاء على القلعة لفتح بابها وأخذها ؛ إذن إن الله يوكل بعوضة